يوسف المرعشلي

1549

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

مرة في السنة ، وحصلت له الإجازة منه ، حتى كبّره موت الكبراء ، لقيته بديوبند غير مرة ، ووجدته ملازما العبادة والورع ، وقيام الليل والسداد في الرواية ، سريع الإدراك ، شديد الرغبة في المذاكرة بالعلم ، ذا عناية تامة بالفقه وأصوله ، يحفظ متون الأحاديث ، وانتهت إليه رئاسة الفتيا والتدريس في آخر أمره . وكان سافر إلى الحجاز للحجّ والزيارة غير مرة ، سافر في سنة أربع وتسعين ومئتين وألف في جماعة صالحة من الشيوخ : الشيخ محمد قاسم ، والشيخ رشيد أحمد ، والشيخ يعقوب ، والشيخ رفيع الدين ، والشيخ محمد مظهر ، والمولوي أحمد حسن الكانپوري ، وخلق آخرين ، فحجّ وزار ، وأدرك بمكة المباركة الشيخ الكبير إمداد اللّه العمري التهانوي ، والعلامة رحمة اللّه بن خليل الرحمن الكرانوي ، وبالمدينة المنورة الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد العمري الدهلوي ، واستفاض منهم فيوضا كثيرة . ولما توفي مولانا محمد يعقوب النانوتوي وسافر مولانا السيد أحمد الدهلوي إلى « بهوپال » ولي الشيخ محمود حسن رئاسة التدريس سنة خمس وثلاث مئة وألف ، وشمّر عن ساق الجد والاجتهاد في تعليم علوم السنة وتخريج الطلبة ، وتربية الطالبين ، ونفع اللّه به في هذه الفترة نفعا عظيما . وكان قد وضع خطة لتحرير الهند من حكم الإنجليز ، كان يريد أن يستعين فيها بالحكومة الأفغانية والخلافة العثمانية ، وهيأ لها جماعة من تلاميذه وممن يثق بهم من أصحابه ، وكان في مقدمتهم المولوي عبيد اللّه السندي ، وأرسله إلى « أفغانستان » ، وكان الاتصال بينه وبين تلاميذه وأصحابه في الحدود الشمالية وفي « أفغانستان » ، ولما تمّ لهم بعض ذلك ومهّدوا الأرض للثورة واشتدت عليه الرقابة في الهند سافر إلى الحجاز سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة وألف ، وأقام بمكة وقابل غالب باشا الوالي التركي سرّا ، ثم سافر إلى المدينة المنورة وقابل أنور باشا وزير الحربية وجمال باشا القائد العام للجيش العثماني الرابع حين زار المدينة المنورة ، وفاوضهما في طرق إعانة المسلمين في الهند ونفي الإنجليز منها ، وأخذ منهما رسالة سرية إلى الشعب الهندي ، والوعد بتأييد القضية الهندية ، وحمل أهل الهند على مساعدة الشيخ محمود حسن والاعتماد عليه ، وأخذت صور هذه الوثيقة ، وقرّر تسريبها إلى الهند وأفغانستان بطريقة سرية ، واشتهرت فيما بعد بالرسائل الحريرية ووصلت إلى الهند ، وأراد الشيخ محمود حسن أن يصل إلى الحدود الشمالية الحرة بين « أفغانستان » والهند عن طريق « إيران » فسافر إلى الطائف ، ورجع إلى « مكة » وأقام بها مدة ، ودرس في « صحيح البخاري » وحجّ ، وكان ذلك سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة وألف . واكتشفت الحكومة الإنجليزية المؤامرة ، وعرفت قضية الرسائل الحريرية ، فصرفت عنايتها إلى القبض على زعيم هذه الحركة وقطب رحاها ، وكان الشريف حسين أمير مكة قد خرج عن الدولة المتبوعة العثمانية ، وثار عليها بتحريض الدولة الإنجليزية ، فأوعزت إلى الشريف بإلقاء القبض عليه وتسليمه إلى الحكومة الإنجليزية ، فألقي القبض عليه في صفر سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة وألف ، ومعه المولوي حسين أحمد الفيض‌آبادي والحكيم نصرت حسين الكوروي والمولوي عزيز گل والمولوي وحيد أحمد ، وسفّر هؤلاء في الثامن عشر من ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة وألف إلى « مصر » ومنها إلى « مالطه » حيث وصلوا سلخ ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة وألف . ولبث الشيخ في « مالطه » نحو ثلاث سنوات وشهرين صابرا محتسبا ، عاكفا على الذكر والعبادة ، منصرفا إلى التربية والإفادة ، راضيا بقضاء اللّه وقدره ، ومات الحكيم نصرت حسين في المنفى ، وأطلق سراحهم لليلة خلت من جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة وألف ، ووصل إلى الهند في عشرين من رمضان سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة وألف مكرما مبجلا ، قد مالت إليه القلوب ، وتطلّعت إليه النفوس ، وقد غلب لقب « شيخ الهند » على اسمه ، فاشتهر في العامة والخاصة ، واستقبل استقبالا عظيما في كل بقعة نزل فيها أو مرّ بها ، وتقاطر الناس لاستقباله وزيارته ، واحتفل به أهل وطنه احتفالا كبيرا ، وكان قد أضناه الأسر ، ووهنت قواه لمقاساته للأمراض ومعاناته للمشقة والمجاهدة ، ولكنه لم يستجمّ من